نحتفل بالذكرى 15 لإطلاق "Google للفنون والثقافة"

تبجيل الأموات

في مصر القديمة

Coffin, anthropomorph (detail)Neues Museum, Staatliche Museen zu Berlin

منذ العصور القديمة، آمن قدماء المصريين، شأنهم شأن العديد من شعوب قديمة أخرى، بالحياة ما بعد الموت. وتجسّد إيمان المصريين الراسخ بالحياة الأبدية في الأهرام الضخمة والمعابد الجنائزية الخلابة التي بنوها والمقابر التي صمموها بدقة تامة. ولم يركّز المصريون جهودهم على الجانب الهندسي من المقبرة فحسب، بل حرصوا أيضًا على أن تكون معبرًا آمنًا إلى الآخرة وملاذًا أبديًا لهم. ويتجلى ذلك في الزخرفات التي تزين التوابيت وتقاليد تحنيط الموتى وطقوس العبادة في المقابر التي اشتهر بها المصريون القدماء.

Coffin, anthropomorph (detail)Neues Museum, Staatliche Museen zu Berlin

كانت عملية تحنيط أجساد الموتى شرطًا أساسيًا لاستمرار حياتهم بعد الموت. وبحسب المصريين القدماء، تغادر أولاً الروح جسد الميت في هيئة "با"، وهو طائر برأس مشابه للإنسان، ليبقى الجسد هيكلاً بلا روح. وفقط بعد تحنيط الجثمان وممارسة طقوس القيامة من الموت، يصبح الجسد مهيئًا لاستقبال الروح من جديد والانتقال إلى الحياة الأبدية في الحياة الآخرة. ويُذكر أنّ عملية التحنيط كانت تستغرق 70 يومًا.

Canopic jars of the lady Ta-mit (3rd Intermediate Period, mid 9th century BCE) من أعمال Artist unknownNeues Museum, Staatliche Museen zu Berlin

تحنيط الموتى

يُنسب كل ما نعرفه اليوم من معلومات حول تحنيط الموتى إلى المؤرخَين "هيرودوت" (القرن الخامس قبل الميلاد) و"ديودوروس" الصقلي (القرن الأول قبل الميلاد)، كما تؤكد اختبارات العملاء صحة هذه المعلومات. أولاً، يزيل الكهنة الأحشاء الداخلية من الجثمان، ثم ينظفون الجسد ويجففون الأحشاء باستخدام مادة النطرون. وللحفاظ على شكل جسد الميت في الحياة الأبدية، كان الكهنة يغلفون الأحشاء بلفائف الكتان ويضعونها في أوانٍ خاصة تُعرف بالأواني الكانوبية. ومنذ عصر الأسرة التاسعة عشرة تقريبًا (1290–1190 قبل الميلاد)، باتت أغطية الأواني تُصنع على شكل رؤوس بشرية أو حيوانية، يمثّل كل منها أحد أبناء "حورس" الأربعة.

"دواموتف" صاحب الرأس الحيواني ابن آوى كان حامي المعدة، أما "حابي" صاحب رأس الرباح المقدس، فكان مسؤولًا عن حماية الرئتَين.

إنّ الإله "إمستي" صاحب الرأس البشرية تولّى حماية الكبد، و"قبح سنوف" صاحب رأس الصقر كان حامي الأمعاء.

Mummy with Mummyportait of a child (family burrial) (Roman Empire) من أعمال UnknownNeues Museum, Staatliche Museen zu Berlin

يمسح المحنِّطون جسد الميت بالزيت ويدهنوه بالراتنجات والزيوت المعطّرة. بعد تحنيط القلب وإرجاعه إلى الجسد، يملأ المحنِّطون التجويفات بمواد مختلفة قبل لف الجثمان أخيرًا بأقمشة كتان تتخللها تمائم متنوعة.

Mummy Mask of a woman (Augustus, Oktavian) من أعمال Artist unknownNeues Museum, Staatliche Museen zu Berlin

وتتمثل الخطوة الأخيرة في تغطية رأس الميت بقناع الموت المصنوع من ورق الكتان المقوّى بالجص (الكارتوناج).

Mummy Mask of Hor (Ptolemies, 100–50 BCE) من أعمال Artist unknownNeues Museum, Staatliche Museen zu Berlin

غالبًا ما استخدم المحنِّطون الذهب لطلاء الأقنعة الجنائزية ذات العيون الجاحظة التي توضع على أوجه الموتى، إذ اعتقدوا أن بشرة الآلهة مكوّنة من الذهب. وكانت الشيخوخة والمرض العدوَّين اللدودَين للمصريين القدماء الذين حرصوا أيضًا على إخفاء القبح والحزن.

Coffin of Nespamai (Ptolemies, 323–30 BCE) من أعمال Artist unknownNeues Museum, Staatliche Museen zu Berlin

مراسم الدفن

بعد انتهاء عملية التحنيط، يتم وضع الجثمان داخل تابوت مصنوع من القصب أو الخشب أو الطين الأحمر، أو حتى من الحجارة كما سادت العادة لاحقًا. بدءًا من عصر دولة مصر الحديثة، أصبح معظم الموتى يُدفنون في توابيت مصنوعة على هيئة إنسان. وفي بعض الأحيان، كانت توضع التوابيت داخل توابيت أخرى.

Coffin of Hat (26th Dynasty, 610–595 BCE) من أعمال Artist unknownNeues Museum, Staatliche Museen zu Berlin

وغالبًا ما كانت التوابيت مزينة بزخرفات متقنة ومغطاة بمشاهد رسومية ونصوص دينية.

كانت القبة الضخمة التي تغطي نصف غطاء التابوت تقريبًا إحدى مميزات التوابيت في مدينة أخميم.

تظهر صورة "نفتيس" المجنّحة على تابوت "هات" الذي يعود إلى عام 600 قبل الميلاد تقريبًا. وكانت "نفتيس"، مثل شقيقتها "إيزيس"، إلهة الموتى، ترثي الأموات وترافقهم إلى الحياة الآخرة.

والنصف السفلي من التابوت مزيّن أيضًا برسومات لأضرحة تتضمّن أبناء "حورس" الأربعة، الآلهة التي تحرس الأواني الكانوبية.

وتظهر في أسفل التابوت أيضًا الآلهتان "نفتيس" و"إيزيس" جاثيتين وحيوانان من فصيلة ابن آوى مستلقيين تحتهما. ويُعتبر ابن آوى التجسيد الحيواني لـ "أنوبيس"، وهو إله الطقوس الجنائزية في مصر القديمة. يحمل كل من ابنَي آوى سوطًا يصدر صوتًا صاخبًا لإبعاد الأرواح الشريرة.

Part of a tomb wall with a funeral procession (Tutankhamun, 1550–1292 BCE) من أعمال Artist unknownNeues Museum, Staatliche Museen zu Berlin

تُبيّن الصورة لحظة نقل تابوت جثمان الميت إلى المقبرة ضمن مسيرة جنائزية تتضمّن أصدقاء وأفراد من عائلة الميت، فضلاً عن كهنة ونساء باكيات تكمن وظيفتهن في رثاء الفقيد. وعند المقبرة، يمارس الكاهن طقوس "فتح الفم" الرمزية التي تقتضي فتح عيني الميت وأنفه وفمه لإحيائه بطريقة سحرية.

يظهر الأبناء الباكون في مشهد رثاء الفقيد المنقوش على تابوت "بتاحمحات"، المدعو "تي" والذي كان الكاهن الأعلى للإله "بتاح"، وأُنجز النقش الزخرفي هذا في عهد الفرعون توت عنخ آمون.

تم بناء ممر مزخرف على طول طريق المسيرة، أمّا القرابين المكرسة للميت، فيُفترض أنها غذاء رمزي للميت والمشيعين. وكان الخدم يحطمون الجرار لدى مرور التابوت.

Sacrificial chamber of Merib (Late 4th Dynasty) من أعمال Artist unknownNeues Museum, Staatliche Museen zu Berlin

المقابر والنواويس

كان المثوى الأخير للموتى عبارة عن مقابر معظمها مفروش بمقتنيات فخمة. وتبدأ أعمال بناء المقبرة قبل وفاة صاحبها، ما يعني أنه باستطاعة المالك اختيار حجم المقبرة ومفروشاتها. ولا شك في أنّ أشهر المقابر في العالم هي الأهرام الضخمة التي تم تشييدها لحكام مصر. ولم تكن المقابر الفاخرة محصورة بالحكام فقط، إذ أنفق أيضًا مصريون من طبقات اجتماعية متدنية أموالاً طائلة على تصاميم مقابرهم لضمان مكانتهم الاجتماعية في الحياة الآخرة. وتتميز مقابر المسؤولين، المعروضة حاليًا في المتحف المصري، بزخرفاتها المتقنة والغنية التي لا مثيل لها، وتمثّل هذه الزخرفات أسمى فنون النقش الزخرفي في المقابر المصرية.

Sacrificial Chamber of Merib (4th-5th Dynasty) من أعمال Artist unknownNeues Museum, Staatliche Museen zu Berlin

وكانت المقبرة أيضًا بمثابة نصب تذكاري لعائلة الفقيد. كان أفراد العائلة يرددون اسم الفقيد ويمارسون طقوس تقديم القرابين لكي ينعم الميت بحياة أبدية في الآخرة.

في دولة مصر القديمة (2707-2202 قبل الميلاد)، كانت حجرة القرابين تُبنى داخل المقبرة.

وكان الباب الوهمي للحجرة الميزة الهندسية الأبرز فيها إذ كان منحوتًا من كتلة حجرية واحدة ويشير إلى نقطة عبور روح الميت من المقبرة إلى العالم الخارجي، ما يجعل التواصل بين الأحياء والأموات ممكنًا.

Cast, Sacrificial Chamber of Merib (4th–5th Dynasty) من أعمال Artist unknownNeues Museum, Staatliche Museen zu Berlin

كانت الأبواب الوهمية مطلية أساسًا بألوان زاهية وتعرض رسمًا للميت وهو جالس إلى مائدة غنية بالقرابين. وتظهر في الصورة أيضًا أدوات من الحياة اليومية تحت المائدة وبقربها، فضلاً عن خدم وأفراد من عائلة الميت.

والتصاميم الزخرفية الغنية في حجرات القرابين هي دليل واضح على طموح الميت بأن ينعم بحياة من الوفرة والثراء في الآخرة.

Egyptian Courtyard, Neues Museum, Museum Island Berlin (1843/2009) من أعمال Friedrich August Stüler / David Chipperfield a.o.Neues Museum, Staatliche Museen zu Berlin

تُبنى عادةً غرفة الدفن، حيث يتم دفن الأموات داخل نواويس ضخمة أو توابيت، تحت حجرة القرابين. وشهدت عصور الفراعنة تغييرات عديدة في شكل النواويس.

ساهم ظهور الناووس المصنوع على هيئة إنسان في ارتقاء مدافن الموتى من مجرّد تابوت تقليدي للمومياء إلى نصب تذكاري ضخم. وعلى غرار المومياء، يحتوي الناووس على جثمان الميت الذي يخضع لتغيير في داخله بحيث ينتقل من هذا الناووس إلى الحياة الأبدية.

تتزيّن توابيت الغرانيت الداكن أو البازلت، والتي يصل وزنها حتى عشرة أطنان، بالنقوش والزخرفات التي تصوّر عالم الآخرة.

ويحظى الفقيد أيضًا بنسخة أكثر شمولية من كل الزخرفات المنقوشة بدقة وتأنٍ على حجر الناووس، إذ توضع في مقبرته أيضًا لفائف من ورق البردي تضم الزخرفات نفسها.

Book of the Dead of Neferini (hieratic) (Ptolemaic period, 4th–1st century BCE) من أعمال Artist unknownNeues Museum, Staatliche Museen zu Berlin

محاكمة الموتى وعقيدة الحياة الآخرة

يصوّر "كتاب الموتى"، التي شاع استخدامه بدءًا من عصر الدولة الحديثة، المحاكم التي سيمثُل الميت أمامها في طريقه إلى مملكة الأموات. ويمكن أن يصل طول هذا الكتاب إلى عشرين مترًا، كما أنّه يعرض تفاصيل هذه المحاكم باستخدام النصوص والصور. ولا يستطيع الميت العبور إلى الأبدية إلّا بعد اجتياز هذه المحاكم، وإذا صدر حكم سلبي بحقه، يكون عقابه الموت الثاني والأخير.

يقدم "كتاب الموتى" الخاص بـ "نفيريني" مثالاً واضحًا على محاكم الموتى في مصر القديمة (من القرن الرابع إلى القرن الأول قبل الميلاد).

وتم تكريس جزء كبير من الكتاب لأهم محكمة في الرحلة إلى الحياة الآخرة، وهي عملية وزن قلب الميت.

تُصدر محكمة من 42 قاضيًا برئاسة الإله "أوزيريس" حكمًا بحق الميت استنادًا إلى أفعاله على الأرض.

على الميت حينها أن يبرر أفعاله الدنيوية وأن يقسم أنه لم يرتكب أي خطيئة من الخطايا الاثنتين والأربعين المحتملة.

بعد ذلك، يوضع قلب الميت في كفة الميزان لمقارنة وزنه بوزن ريشة إلهة الحق "معات" في الكفة الأخرى.

يشرف الإله "أنوبيس"، والذي يظهر كإنسان برأس ابن آوى، على كل الإجراءات، كما يسجل "تحوت" نتيجة الميزان بصفته إله الكتابة.

انقر على الصورة للاستكشاف.

القرابين المقدّمة للموتى

بعد أن يجتاز الميت كل المحاكم، يدخل مملكة الأموات. واعتقد المصريون أنّ حياة ما بعد الموت هي انعكاس للحياة على الأرض، الأمر الذي دفعهم إلى وضع المقتنيات التي قد يحتاجونها هناك في مقابرهم. فضلاً عن الأغراض التي اقتناها الميت قبل وفاته، بما فيها الثياب وأواني الطبخ والمجوهرات والصناديق ومستحضرات التجميل، تضمّنت المقابر أيضًا آلات موسيقية لترفيه الميت في حياته الآخرة.

Lyre, Artist unknown, 18th Dynasty, c. 1450 BCE, من مجموعة: Neues Museum, Staatliche Museen zu Berlin
عرض أقلمزيد من المعلومات
Cosmetic casket with two containers, Artist unknown, New Kingdom, 1550–1070 BCE, من مجموعة: Neues Museum, Staatliche Museen zu Berlin
عرض أقلمزيد من المعلومات

Ten Uschebti-Figures (1550–320 BCE) من أعمال Artist unknownNeues Museum, Staatliche Museen zu Berlin

وظنّ أيضًا المصريون القدماء أنّ هناك أعمال زراعية شاقة في انتظارهم في الحياة الآخرة.

تتضمّن المقابر أيضًا تماثيل صغيرة مع اسم الميت منقوش عليها، وتُعرف بـ "أوشابتي"، والغرض منها هو أن تحل محل الميت عندما يتم استدعاؤه للعمل في الحقل في الحياة الآخرة. ويحمل عادةً تمثال "أوشابتي" بين يديه المكتوفتين معولاً ومنجلاً، كما قد يظهر أحيانًا مع كيس على ظهره.

في معظم الأحيان، يتوفّر في مقبرة الميت 360 تمثالاً صغيرًا من تماثيل "أوشابتي" ويُخصص كل منها ليوم من أيام السنة، وتبقى الأيام الخمسة المتبقية للراحة.

انقر على الصورة للاستكشاف.

يعود سبب الأهمية الكبرى التي أولاها المصريون القدماء للحياة الآخرة إلى معتقداتهم وأعمالهم الأسطورية. وبالتالي، تمحورت حياة المصريين حول قائمة كبيرة من الأعمال الثقافية لحياتهم بعد الموت.

إنّ متحف برلين المصري الذي يحتوى على مجموعة أوراق البردي يُعتبر من المتاحف الأكبر من نوعها في العالم. ويتباهى هذا المتحف بالمجموعة الواسعة من التحف المصرية القديمة التي يعرضها، بحيث تعطي هذه المجموعة نظرة معمّقة حول تقاليد تبجيل الموتى في مصر القديمة. ننصحك بإضافة هذا المتحف إلى قائمة الأماكن التي تنوي زيارتها.

معلومات حقوق الطبع والنشر: المقال

Text: Ägyptisches Museum und Paprussammlung, Museen zu Berlin - Preußischer Kulturbesitz / Prestel

Concept: Jutta Dette, Verena Lepper
Editing: Jutta Dette
Translation: Catherine Hales, Sephan Schmidt

© Staatliche Museen zu Berlin – Preußischer Kulturbesitz

www.smb.museum
Ägyptisches Museum und Papyrussammlung

ملكية المحتوى: جميع الوسائل
يمكن أن يتمّ إنشاء المقالة المقدَّمة في بعض الحالات بواسطة جهة خارجية مستقلة، وقد لا تمثِّل دائمًا وجهات نظر المؤسسات (المدرجة أدناه) التي قدّمت المحتوى.
استكشاف محتوى إضافي

هل أنت مهتم بموضوع تاريخ؟

يمكنك تلقّي إشعارات من خلال الاشتراك بنشرة Culture Weekly المخصّصة لك

انتهت عملية الاشتراك.

ستصلك أول نشرة Culture Weekly هذا الأسبوع.

الصفحة الرئيسية
اقتراحات
لعب
مواقع مجاورة
المحتوى المفضَّل